محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لن تجد مثل فرخان ، إن له نكاية وضربا في العدو ، فلا تفعل . فكتب إليه : إن في رجال فارس خلفا منه ، فعجل إلي برأسه . فراجعه ، فغضب كسرى ؛ فلم يجبه ، وبعث بريدا إلى أهل فارس : إني قد نزعت عنكم شهريراز ، واستعملت عليكم فرخان ؛ ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة : إذا ولي فرخان الملك ، وانقاد له أخوه ، فأعطه هذه ؛ فلما قرأ شهريراز الكتاب ، قال : سمعا وطاعة ، ونزل عن سريره ، وجلس فرخان ، ودفع الصحيفة إليه ، قال : ائتوني بشهريراز ، فقدمه ليضرب عنقه ، قال : لا تعجل حتى أكتب وصيتي ، قال : نعم ، فدعا بالعسفط ، فأعطاه ثلاث صحا تف ، وقال : كل هذا راجعت فيك كسري ، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد ، فرد الملك ، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم : إن لي إليك حاجة لا يحملها البريد ، ولا تبلغها الصحف ، فالقني ، ولا تلقني إلا في خمسين روميا ، فإني ألقاك في خمسين فارسيا ؛ فأقبل قيصر في خمس مئة ألف رومي ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق ، وخاف أن يكون قد مكر به ، حتى أتته عيونه أن ليس معه إلا خمسون رجلا ، ثم بسطلهما ، والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما ، مع كل واحد منهما سكين ، فدعيا ترجمانا بينهما ، فقال شهريراز : إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي ، بكيدنا وشجاعتنا ، وإن كسرى حسدنا ، فأراد أن أقتل أخي ، فأبيت ، ثم أمر أخي أن يقتلني ، فقد خلعناه جميعا ، فنحن نقاتله معك ، فقال : قد أصبتما ، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين ، فإذا جاوز اثنين فشا . قال : أجل ، فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما ، فأهلك الله كسري ، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، ففرح ومن معه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ألم غُلِبَتِ الرُّومُ قال : غلبتهم فارس على أدنى الشام وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ الآية ، قال : لما أنزل الله هؤلاء الآيات صدق المسلمون ربهم ، وعلموا أن الروم سيظهرون على فارس ، فاقتمروا هم والمشركون خمس قلائص ، خمس قلائص ، وأجلوا بينهم خمس سنين ، فولي قمار المسلمين أبو بكر ، وولي قمار المشركين أبي بن خلف ، وذلك قبل أن ينهي عن القمار ، فحل الأجل ، ولم يظهر الروم على فارس ، وسأل المشركون قمارهم ، فذكر ذلك أصحاب النبي للنبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولم تكونوا أحقاء أن تؤجلوا دون العشر ، فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر ، وزايدوهم في القمار ، ومادوهم في الأجل " ، ففعلوا ذلك ، فأظهر الله الروم على فارس عند رأس البضع سنين من قمارهم الأول ، وكان ذلك مرجعه من الحديبية ، ففرح المسلمون بصلحهم الذي كان ، وبظهور أهل الكتاب على المجوس ، وكان ذلك مما شدد الله به الإسلام وهو قوله وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ الآية . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، في قوله ألم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قوله وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الناس بمكة أن الروم ستغلب ، قال : فنزل القرآن بذلك ، قال : وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس ، لأنهم أهل الكتاب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر ، عن عبد الله ، قال : كان فارس ظاهرة على الروم ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم : فلما نزلت ألم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى فِي بِضْعِ سِنِينَ قالوا : يا أبا بكر : إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين ، قال : صدق ، قالوا : هل لك أن نقامرك ؟ فبايعوه على أربع قلائص ، إلى سبع سنين ، فمضت السبع ، ولم يكن شيء ، ففرح المشركون بذلك ، وشق على المسلمين ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : فقال : " ما بضع